محمد هادي معرفة
612
التمهيد في علوم القرآن
ابن المقفّع لقفعت بنانه ، أو ابن القرّيّة « 1 » لبقى خابطا في مرية « 2 » ، وإن أفرغ صماخ قرّيّته « 3 » ، وهكذا جحاجحة العرب ، لا تتخطاهم في رشق أصابه ، ولا تسقط لنازعهم في قوس نشّابه « 4 » . وسألني الإجابة عن تلك السؤالات بنظم رسالة من أبلغ الرسالات ، تقع من السائل موقع الفرات « 5 » من الحرّان « 6 » ، وتنزل منه منزلة السداد من الحيران ، وكرّر الطلب وردّد ، وألحّ فيه وشدّد ، وضيّق عليّ الأمر وعوّصه ، وقال : أنت الذي عيّنه اللّه وشخّصه ، حتّى لم أجد بدّا من إجابته إلى ما أراد ، وإسعافه بما أبدأ فيه وأعاد ، وكان أمثل الأمرين أن ألجم نفسي وأحجرها ، وأن ألقمها حجرها ، ولا أفغر بمنطق فما ، ولا أبلّ بجواب قلما ، وليس بين فكّي
--> الأهتم إنّما سحر ببيانك ) . ( 1 ) هو أيوب بن زيد بن قيس بن زرارة الهلالي ، أحد بلغاء الدهر ، خطيب يضرب به المثل ، يقال : « أبلغ من ابن القرّيّة » والقرّيّة جدّته ، قتله الحجاج سنة 84 بعد أن أسره في وقعة دير الجماجم بعد أن قال له : واللّه لأزيرنك جهنم ! قال : فأرحني فإنّي أجد حرّها ! فأمر فضربت عنقه . ولمّا رآه قتيلا قال : لو تركناه حتى نسمع كلامه . وأخباره كثيرة . انظر « وفيات الأعيان 1 : 250 / 106 ، الكامل في التاريخ 4 : 498 ، الأعلام 2 : 37 » . ( 2 ) المراء : الجدال ، والتماري والمماراة : المجادلة على مذهب الشكّ والريبة . ( 3 ) أفرغ : صبّ ، وصماخ - ككتاب - : الأذن ، - وكغراب - : الماء ، وقرّيّة : الحوصلة . والمراد بها ما اشتهر به من البلاغة حتى صارت له كالعلم ، كما صار اسم حاتم للكرم ، والتفسير عليها دون القرية واحدة القرى ، ودون القرية سقاء الماء واللبن ، أي وإن صبّ اذن حافظته ، أو استنزف ماء قريحته ، كناية عن إجهاد نفسه في البيان ، وخنق فرسه في الميدان ، فهذه الأسئلة إن قرعت له سمعا يضيق بها ذرعا ، ويبقى خابطا في الشكّ والجدل ، لا حول له بها ولا حيل . ( هامش المخطوطة ) . ( 4 ) لا تسقط : أي لا تخطئ ، ونزع القوس : مدّها ، ونشّابه : أي نبله ، أي هذه السؤالات كما يقصر عنها المذكورون من أئمة الأدب ، فإنّها تصيب بلاغة سادات العرب ، ولا تخطئ نبل متقوّسهم في ارب . ( هامش المخطوطة ) . ( 5 ) الفرات : أشدّ الماء عذوبة . ( 6 ) الحرّان : العطشان .